الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
طريق التوحيد قال أتحاجوني في الله وقد هدان . يتضح في هذه الآية بجلاء أن قوم إبراهيم المشركين من عبدة الأصنام كانوا يحاولون جهدهم وبأي ثمن أن يبعدوا إبراهيم عن عقيدته ويرجعوه إلى عبادة الأصنام ، ولكنه بكل شجاعة وجرأة رد عليهم بالدلائل المنطقية الواضحة . لا تشير هذه الآيات إلى المنطق الذي توسل به قوم إبراهيم لحمله على ترك عقيدته ، ولكن يبدو من جواب إبراهيم أنهم قد حذروه وهددوه بغضب آلهتهم وعقابها في محاولة لإرعابه وإخافته ، لأننا على أثر ذلك نسمع إبراهيم يستهين بتهديدهم ويؤكد لهم أنه لا يخشى أصنامهم التي لا حول لها ولا قوة في إيصال أي أذى إليه ولا أخاف ما أشركتم به . . . فما من أحد ولا من شئ بقادر على أن يلحق بي ضررا إلا إذا شاء الله : إلا أن يشاء ربي شيئا ( 1 ) . يظهر من هذه الآية أن إبراهيم ( عليه السلام ) سعى لاتخاذ إجراء وقائي تجاه حوادث محتملة ، فيؤكد أنه إذا أصابه في هذا الصراع شئ - فرضا - فلن يكون لذلك أي علاقة بالأصنام ، بل يعود إلى إرادة الله ، لأن الصنم الذي لا روح فيه ولا قدرة له على أن ينفع نفسه أو يضرها ، لا يتأتى له أن ينفع أو يضر غيره . ويضيف إلى ذلك مبينا أن ربه على درجة من سعة العلم بحيث يسع بعلمه كل شئ : وسع ربي كل شئ علما . هذه العبارة - في الواقع - دليل على العبارة السابقة التي تقول : إن الأصنام لا قدرة لها على النفع والضرر ، لأنها لا تملك العلم ولا المعرفة اللازمين لمن يريد أن ينفع أو يضر ، إن الله الذي أحاط علمه بكل شئ هو وحده القادر على أن يكون منشأ النفع والضرر ، فلم إذن أخشى غضب غير الله ؟ ! ثم يحرك فيهم روح البحث والتفكير فيخاطبهم قائلا : أفلا تتذكرون .
--> 1 - هذا أشبه بالاستثناء المنقطع ، فقد نفى عن الأصنام كل قدرة على النفع والضرر ، وأثبتها لله ، وللمفسرين آراء أخرى في تفسير هذه الآية ، غير أن ما قلناه أقرب .